أحمد زكي صفوت

110

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

يضربون قدما قدما من ناوأهم « 1 » ، يهون عليهم نباح الكلاب ، وعواء الذئاب ، لا يفاتون بوتر ، ولا يسبقون إلى كريم ذكر ، قد وطّنوا على الموت أنفسهم ، وسمت بهم إلى العلياء هممهم ، كما قالت الأزدية : قوم إذا شهدوا الهياج فلا * ضرب ينهنههم ولا زجر « 2 » وكأنهم آساد غينة قد * غرثت وبلّ متونها القطر « 3 » فلتكوننّ منهم بحيث أعددت ليلة الهرير للهرب فرسك ، وكان أكبر همك سلامة حشاشة « 4 » نفسك ، ولولا طغام « 5 » من أهل الشأم وقوك بأنفسهم ، وبذلوا دونك مهجهم ، حتى إذا ذاقوا وخز الشّفار ، وأيقنوا بحلول الدّمار ، رفعوا المصاحف مستجيرين بها ، وعائذين بعصمتها ، لكنت شلوا مطروحا بالعراء « 6 » ، تسفى عليك رياحها « 7 » ، ويعتورك ذئابها ، وما أقول هذا أريد صرفك عن عزيمتك ، ولا إزالتك عن معقود نيّتك ، لكن الرّحم التي تعطف عليك ، والأواصر « 8 » التي توجب صرف النصيحة إليك » . فقال معاوية : « للّه درك يا ابن عباس ، ما تكشف الأيام منك إلا عن سيف صقيل ، ورأى أصيل ! وباللّه لو لم يلد هاشم غيرك ، لما نقص عددهم ، ولو لم يكن لأهلك سواك لكان اللّه قد كثّرهم » ! ثم نهض فقام ابن عباس وانصرف » . ( شرح ابن أبي الحديد م 2 : ص 105 )

--> ( 1 ) القدم : الشجاع والمضي أمام أمام ، وناوأهم : عاداهم . ( 2 ) نهنهه عن الأمر : كفه وزجره . ( 3 ) الغينة : بالكسر الأجمة ، والغينة بالفتح : الأشجار الملتفة في الجبال وفي السهل بلا ماء ، فإذا كانت بماء فهي غيضة ، وغرث : كفرح جاع فهو غرثان . ( 4 ) الحشاشة : بقية الروح في المريض والجريح . ( 5 ) الطغام : أوغاد الناس . ( 6 ) العراء : الفضاء لا يستتر فيه بشئ . ( 7 ) سفت الريح التراب تسفيه : ذرته ، أو حملته . ( 8 ) في الأصل « والأوامر » وهو تحريف .